الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله
وما تشاؤون إلا ان يشاء الله
روى أبو داوود في سننه أنَّ الرسول عليه الصلاة والسلام علَّم بعض بناته أن تقول : ((
ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن)) ، وهذا ما أجمع عليه المسلمون.
وقد روى البيهقي رحمه الله تعالى عن سيدنا عليّ رضي الله عنه أنه قال : ((
إن أحدكم لن يخلُص الإيمانُ إلى قلبه حتى يستيقن يقيناً غير شك أنَّ ما أصابه لم يكن ليخطئه ، وما أخطأه لم يكن ليصيبه ، ويقرّ بالقدر كُلّه)).
اعلموا وفقني الله وإياكم أن معنى هذا الأثر عن سيدنا عليّ رضي الله عنه أنه لا يتم الإيمان في قلب أحدكم حتى يستيقن يقيناً غير شكٍ ، أي حتى يعتقد اعتقاداً جازماً لا يخالجه شكٌ أن ما أصابه لم يكن ليخطئه إن كان من الرزق أو المصائب أو غير ذلك ، وأن ما أخطأه لم يكن ليصيبه ، ويقرَّ بالقدر كله،
بل يجب على كل مسلم أن يؤمن بأن كل ما يجري في الكون من خير أو شر ، ضلال أو هدى ، عسر أو يسر ، حلو أو مرّ ، كل ذلك بخلق الله ومشيئته .
ولولا أن الله تعالى شاءه وكوّنه وخلقه ما حصلَ .
وهذا حبيب الحقّ وسيد الخلق سيدنا محمّد عليه الصلاة والسلام أنذر قومه أول ما نزل عليه الوحي عملا بقوله تعالى : {
وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ} (214) سورة الشعراء
أي حذرهم من الكفر ، ثم اهتدى به أناس وكفر بعض حتى من أقاربه كأبي لهب وغيره فإنهم لم يهتدوا ، والرسول بلّغهم دعوته لكن لم يهتدوا ، لأن الله تبارك وتعالى شاء في الأزل أن يهتدي البعضُ بمحمد ولم يشأ أن يهتدي الآخرون ، تنفذت مشيئة الله في الفريقين ؛ والله تعالى يكره الكفر والمعاصي لكن خصّص هؤلاء بأن ينساقوا إلى الضلال ، كما خصّص أولئك بأن ينساقوا باختيارهم إلى الهدى ، هذا معنى المشيئة.