الحمد لله الذي جعل الصيام جُنَّة، وجَعل طاعته مع الإخلاص سبباً لدخول الجنة، والصلاة والسلام على
سيدِنا محمد أفضل من رفعَ الفرضَ والسُّنَة، وشرعَ المعروفَ وسَنَّه، وصرفَ في طاعةِ ربِهِ عُمرَهُ
وسِنَّه، وعلى ءاله وأصحابه أهل العزم والهمة
أما بعد :
يقول الله تبارك وتعالى: {
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ
تَتَّقُونَ {183}} البقرة
فشهر رمضان شهر عظيم القدر، أنزل الله فيه القرءان هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان، وهيأ
للمؤمنين أسباب الطاعة فيه بفتح أبواب الجنان وتغليق أبواب النيران وتصفيد مردة الجان، وضاعف
ثواب صومه مضاعفة لا يقدر قدرها إنسان، وشهر رمضان المبارك هو أفضل الشهور، وفيه أفضل
الليالي ليلة القدرالعظيمة.
قد روى مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "
كُلُّ عَمَلِ ابْنِ ءادَمَ
يُضَاعَفُ الْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ مَا شَاءَ اللَّهُ، يَقُولُ اللَّهُ إِلَّا الصَّوْمَ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي
بِهِ يَدَعُ شَهْوَتَهُ وَطَعَامَهُ مِنْ أَجْلِي لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ فَرْحَةٌ عِنْدَ فِطْرِهِ وَفَرْحَةٌ عِنْدَ لِقَاءِ رَبِّهِ وَلَخُلُوفُ فَمِ
الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ "
فهنيئا لمن استغل هذا الشهر بطاعة الله تعالى، فهو شهر أوله رحمة وأوسطه مغفرة وءاخره عتق من
النار، ولقد فرض الله تعالى علينا هذه الفريضة العظيمة فريضة الصيام في السنة الثانية للهجرة،
وجعلها في خير الشهور شهر رمضان المبارك الذي أنزل فيه خير كتاب كتاب الله العظيم، وقد ذكر النبي
صلى الله عليه وسلم فضل رمضان بأحاديث كثيرة منها ما رواه مسلم أنه صلى الله عليه وسلم قال: "
إذا جاء رمضان فتحت أبواب الجنة وغلقت أبواب النار وصفدت الشياطين "
وحتى ينال الشخص منا هذا الثواب العظيم لا بد من الصيام الصحيح المقبول عند الله.
كيف يكون الصيام صحيح ومقبول عند الله؟
يكون ذلك بفعل الأركان وترك المبطلات وترك ما ينقص الثواب او يبطله بالمره.
صوم رمضان فرض "
مجمع على فرضيته": لايوجد خلاف بين العلماء على فرضيته "
معلوم من
الدين بالضرورة" : أي مشهور بين الناس فتجد العالم والجاهل الذي لم يجلس بمجالس العلماء يعرف
ان صيام رمضان فرض، لأنه اعتاد منذ الصغر على سماع هذا من أهله أنه فرض، كذلك لو قلت
الصلوات الخمس تجد أي واحد من المسلمين يقول لك فرض، أيضا صوم رمضان يقول فورًا لك فرض،
هذه الأمور التى ذكرناها هي مجمع عليها ومعلومة من الدين بالضرورة، يشترك في علم ذلك العلماء
والجهال لايختص به أهل العلم،فصوم شهر فرض مجمع على فرضيته معلوم من الدين بالضرورة.
فمن أنكر صوم فرضية رمضان، جحد فرضية صوم رمضان فقد خرج عن الإسلام ، إلا من كان قريب
عهدٍ بإسلام أو نشأ في بادية بعيدة عن العلماء. كل إنسان ينكر فرضية شهر رمضان يقول صوم
رمضان ليس فرضًا هذا خرج عن الاسلام لتكذبيه للشريعة، كذب كتاب الله وكذّب حديث النبي صلى الله
عليه وسلم ،عليه العود إلى الإسلام بالشهادتين بقول: "أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمد رسول
الله" .
* قريب عهد بإسلام معناه اسلم من قريب ولم يسمع ان صوم رمضان فرض.
على من يجب الصيام؟
يجبُ صومُ شهرِ رمضانَ على كلِّ مكلَّفٍ ولا يصِحُّ مِنْ حائضٍ ونُفَسَاءَ، ويجبُ عليهما القضاءُ.
يجبُ صومُهُ على كلِّ مسلمٍ مكلف. ولا يجبُ على الكافِرِ وجوبَ مطالبةٍ في الدنيا وإن كان يعاقَبُ على
تركِهِ في الآخرة. ولا يصحُّ صومُ رمضانَ من حائضٍ ولا نفساء، وإن كان لا يجبُ عليهِمَا تَعَاطِى مُفَطِّرٍ
في خلال نهارِ رمضان، لكن حرام أن يُمسِكَا بنيةِ الصّيام، فلو تَرَكَا الأكلَ والشربَ لا بنيةِ الصومِ فلا إِثْمَ
عليهما. ويجبُ عليهما القضاءُ بعدَ ذلك. وهكذا أيضاً حكم من أفطرَ في رمضانَ لِعُذْرٍ، إلا من أَفْطَرَ لِكِبَر
أو مرضٍ لا يُرجَى بُرْءُهُ فإنه لا يجب عليه أن يقضِىَ بعد ذلك، وذلك كالمصابِ بالفالِجِ فإنه لا يُرجَى
بُرْءُهُ .
كيف يثبت دخول رمضان؟
وإنما يجبُ صومُ رمضانَ بأحدِ أمرين برؤيةِ الهلال أو باستكمالِ شعبانَ ثلاثين، فإذا شَهِدَ عَدْلٌ أنه رأى
هلالَ رمضانَ، أي شاهد هلالَ رمضانَ بعدَ غروبِ شمسِ التاسِعِ والعشرينَ من شعبان، كان اليومُ
التالِى أولَ أيامِ رمضان. فإن لَم يَحصل ذلك فاليومُ التالى هو الثلاثونَ من شعبان والذى بعدَه أولُ أيامِ
رمضان. لا يثبت رمضان بقول المشعوِذين ولا المنجمين ولا الفلكيين لِقول النبي عليه الصلاة والسلام:
((
صُوموا لرُأْيَتِهِ وأفْطِروا لرأيَتِهِ فإنْ غُمَّ علَيْكُم فَأَكْمِلوا عِدَّةَ شَعْبانَ ثَلاثِينَ يَوْماً)) رواه ابن حبان.
وقد روى البخاري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((
إنّا أُمَّةٌ أمِّيّة لا نَحْسُبُ ولا نَكتُبُ الشَّهْرُ
هكَذا وهكَذا)) معناه الغالب علينا أي في الوقت الذي كان فيه النبي صلى الله عليه وسلم أنَّهم لا يقرؤون
ولا يكتبون، وقول النبي صلى الله عليه وسلم هكذا وهكذا أن الشهر العربي إما أن يكون تسعة
وعشرين وإما أن يكون ثلاثينَ يوماً.
نية الصيام
من أركان الصيام النية، ويجب فيها التبيـيتُ.
أي يُشترَطُ لصحةِ الصومِ إيقاعُ نية صيام يوم رمضان ليلاً فيها بين غروب الشمس وطلوع الفجر لكل
يومٍ من رمضان بالقلب ولو قبل أن يفطر من اليوم الثاني. فلو لم ينوِ في الليل بالمرة ثم نوى بعدَ الفجر
صومَ ذلك اليوم من رمضان لم يصحَّ منه، وهذا في الصومِ الواجب. وأما النفلُ فيصحُ أن ينوِىَ الصيامَ
فيهِ قبلَ الزوال.
ولو أن الإنسان أَكَلَ عندَ السَّحُورِ لأجلِ أنه يريد أن يصومَ اليومَ التالِى من رمضان فهذِه نية، فنسيانُ
النيّةِ في رمضانَ لا يحصُلُ حقيقةً إلا نادراً. النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((
من لَم يُبَيِّتِ النِيَّةَ قبلَ
الفجرِ فلا صيامَ له)) وهذا عند الشافعي، أما عند أبو حنيفة لو وقعت النية قبل الظهر يَجوز، أما الإمام
مالك قال: "يَجوز في ليلة اليوم الأول من رمضان أن ينوي صوم ثلاثين يوماً من شهر رمضان"، النية
تكون: "نويتُ صومَ ثلاثينَ يوماً عن أداءِ فرضِ شهرِ رمضان هذه السنة إيماناً واحتساباً لله تعالى".
ويجب التعيينُ في النيةِ لكلِ يومٍ.
لا بد أن يُعَـيّنَ الصومَ الذي يُعَلّقُ نيَّتَهُ به، يعني لا بد أن يعين أنه يصوم غداً من رمضان أو أنه يصوم
عن نَذر أو أنه يصومُ عن كفارةٍ، فالواجبُ على من يصوم عن الكفارة أن ينوي ليلا فبل الفجر أنه
يصوم اليوم التالي عن الكفارة. فلا بد من تعيينِ ذلك وإن كان لا يُشتَرَطُ أن يُعَيـّنَ سَبَبَ الكفارة أو
نوعَهَا، فليس عليه أن يقول عن كفارة يمين أو كفارة إفساد صيام رمضان بالجماع، ولا يجب عليه أن
ينوي الفرضية. ثم يجب أن ينوي لكل يومٍ، فلا يكفي أن ينوي أول الشهر عن الشهر كله عند الإمام
الشافعي، وذلك أن كل يومٍ عبادةٌ مستقلةٌ لتخلل اليومين بما يناقضُ الصوم كالصلاتين يتخللهما السلام.
كمال النية:
نويت صومَ غدٍ عن أداء رمضان هذه السنة إيمانا واحتسابا لله تعالى، الاحتساب هو طلب الأجر.
ولاحكام الصيام تتمة في مواضيع لاحقة ان شاء الله, والمعذرة على تقصيري